الأستاذ عبد اللطيف المودني لـ “العالم الأمازيغي”: المجلس الأعلى للتعليم كان دائما يلح على ضرورة وضع إطار واضح للغة الأمازيغية في المنظومة التربوية

الأستاذ عبد اللطيف المودني، الأمين العام للمجلس الأعلى للتعليم
الأستاذ عبد اللطيف المودني، الأمين العام للمجلس الأعلى للتعليم

المجلس الأعلى للتعليم كان دائما يلح على ضرورة وضع إطار واضح للغة الأمازيغية في المنظومة التربوية

أقدم المجلس الأعلى للتعليم على اعتماد خارطة طريق، سيتم عرض مختلف الأشغال المنجزة خلال الفترة الانتقالية للمجلس الأعلى للتعليم على أنظار المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، للمناقشة والتداول، حالما يتم اعتماد القانون المنظم له وتنصيبه طبقا لمقتضيات هذا القانون. ما هي الأسس الجوهرية لهذه  الخارطة؟

في البداية، أود أن أشكركم، ومن خلالكم الصحافة المغربية، على الاهتمام الجدي والموصول بقضايا التربية والتكوين والبحث العلمي، وعلى إذكاء النقاش العمومي والحوار الوطني الضروريين لمعالجة قضايا المدرسة المغربية بمختلف مكوناتها، المدرسية والجامعية والتكوينية، خصوصا في السياق الحالي؛ الذي أجمعت فيه معظم التشخيصات المتوفرة على وجود اختلالات حقيقية في منظومتنا التربوية.

أشكركم كذلك على إتاحة الفرصة لي، من خلال  هذا السؤال، لتوضيح أن خارطة الطريق التي سبقللمجلس الأعلى للتعليم أن أعلن عنها عبر منابر الصحافة الوطنية  هي خارطة طريق لتدبير المرحلة الانتقالية الراهنة وليست خارطة طريق تتعلق بإصلاح المنظومة، كما أوردت بعض المواقع الإخبارية وتداوله القراء وعلقوا بصدده.

يمكن تلخيص المقومات الجوهرية لهذه الخارطة في ثلاثة: أولها تفعيل المجلس الأعلى للتعليم في صيغته الحالية، ثانيها تسريع وتيرة التدابير الرامية إلى إرساء المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وثالثها تقويم عشرية التربية والتكوين، الذي سيمتد من  2000 إلى2013 

ففيما يخص تفعيل المجلس الأعلى للتعليم، هناك توضيحات أود تقديمها، أهمها أن المجلس سيعتمد لتدبير مهامه خلال الفترة الانتقالية الحالية على أجهزته الداخلية المكلفة بالتقويم والبحث ومنظومة الاعلام، مع دعم عمل  هذه الأجهزة بفريق من الخبراء والباحثين المختصين.

هذا الخيار فرض نفسه لأن تفعيل الهيئات التداولية للمجلس، المكونة من الجمعية العامة والمكتب واللجان الدائمة، أمر يصعب تحقيقه في الظرفية الحالية بالنظر إلى عدد من الاعتبارات، ولاسيما إلى كون عدد من الأعضاء المعينين خلال الولاية الأولى للمجلس انتهت عضويتهم إما بانتهاء مدة ولايتهم، أو بفقدانهم صفة العضوية.

والمجلس يعتبر أن أي تجديد متسرع للأعضاء السابقين للمجلس فقط لبضعة شهور التي تفصلنا عن إحداث المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، سوف لن يكون مرغوبا فيه حتى منقبل أولئك الأعضاء .من تم جاء ترجيح فكرة تأجيل تشكيل عضوية المجلس إلى حين تنصيب المجلس الجديد، ولاسيما أن  هناك أعمالا تحضيرية يتعين القيام بها خلال هذه الفترة، سواءبالنسبة للتقرير التقويمي أو بالنسبة للجوانب القانونية والتنظيمية. ومن البديهي أن أي عملسيصدر عن المجلس لن يكون معبرا عن رأيه إلا إذ أحيل إلى  هيئاته التداولية، التي لها وحدهاصلاحية المصادقة على ذلك العمل.

أما بالنسبة للأولوية الثانية المتعلقة بإرساء المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فقد صادق مجلس الحكومة، بتاريخ 19  شتنبر 2013، على مشروع القانون المتعلق بإحداثه، وكل توقعاتنا وأملنا أن تتم المصادقة النهائية على  هذا المشروع من قبل البرلمان بغرفتيه في أحسن الآجال، وعلى الأقل قبل اختتام الدورة الخريفية.

أما الأساس الثالث لخارطة طريق المجلس لهذه المرحلة، والمتعلق بالشروع في تقويم الإصلاح المنبثق عن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، فيمكن أن أؤكد لكم أنه قد تم الشروع فعلا في التحضير لهذا المشروع، بتعاون بين أجهزة التقويم والبحث داخل المجلس، ولاسيما الهيئة الوطنية للتقويم.

بالإضافة إلى أعمال القياس والتقدير والتقويم التي ستقوم بها الهيئة الوطنية للتقويم في إطار إنجاز  هذا التقرير على الخصوص، فقد نهج المجلس مقاربة تشاركية بفتحه مشاورات موسعة مع كافة الفاعلين المعنيين، سواء من داخل المنظومة أو من خارجها، وذلك من خلال تنظيم جلسات استماع مع المدرسات والمدرسين والنقابات التعليمية وجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ والأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني وعلماء الدين والخبراء، بهدف التوصل إلى تشخيص يتوخى الموضوعية ويكون متقاسما قدر الإمكان، إلى جانب اقتراح رافعات التغيير ذات الأولوية الكفيلة بتأهيل منظومتنا التربوية وتمكينها من الأداء الأمثل للوظائف المنوطة بها بوصفها دعامة حاسمة للمشروع الديمقراطي التنموي لبلادنا.

 أنيطت بالمجلس مهمة تقويم منجزات عشرية الميثاق الوطني للتربية والتكوين والانكباب الحازم على ورش التربية والتكوين والبحث العلمي. ألا يعتبر هذا الميثاق في حد ذاته مصدر فشل المنظومة التعليمية بالمغرب؟

 أظن أن الإجابة عن  هذا السؤال تستوجب إقامة تمييز فاصل بين الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي ما يزال يشكل إطارا مرجعي اللإصلاح، مع التأكيد على طابعه المرن الذي يستدعي اليوم إغناءه وتحيينه ليواكب المستجدات، وبين تطبيق مقتضيات هذا الميثاق. ويمكن الجزم بأن الإشكالية الكبرى تقع في تطبيق الميثاق بل وفي تطبيق العديد من الإصلاحات التي عرفتها منظومتنا التربوية والتي يسائلنا اليوم جميعا عدم تمكنها من استكمال تحقيق أهدافها. صحيح أن البعض يتحدث عن جوانب من الميثاق كان الطموح فيها أكبر من ممكنات الواقع، وعلى العموم، فأهمية هذا السؤال تكمن في كونه يضع الأصبع على الإشكاليات المرتبطة بالإصلاحات التربوية ببلادنا بين الطموح والواقع، بين الأهداف والوسائل، بين الخطاب وبين تملك أهدافه من قبل الفاعلين التربويين، وانخراطهم الفعلي في تحقيقها، بين التطبيق الجزئي والمقاربة الشمولية للإصلاح، وبين توطيد المكتسبات وتطويرها بين القطيعة والاستمرار… 

أشار الخطاب الملكي إلى  …”  الاختلالات الناجمة عن تغيير لغة التدريس في المواد العلمية، من العربية في المستوى الابتدائي والثانوي، إلى بعض اللغات الأجنبية، في التخصصات التقنية والتعليم العالي …” هل يمكن العودة إلى فرنسة هذه المواد، كما كان معمولا بها في السابق، لتأهيل المتلقي، على المستوى اللغوي، وتسهيل متابعته لتكوين مستقبلي؟

 أعتقد أن معالجة إشكالية ضعف التحكم في اللغات لدى المتعلمين يستدعي مقاربة شمولية، تزاوج بين تجديد مناهج تدريس اللغات وإعادة النظر في وضعها حسب الأسلاك وحسب اللغات الأكثر تداولا على الصعيد العالمي، وبين لغات التدريس التي بقدر ما تستلزم تأمين الانسجام في المسار التعليمي للتلاميذ، فإنها تتطلب استدعاء مقاربات مستجدة في هذا الميدان، خصوصا منها الإغماس اللغوي والتناوب اللغوي في التدريس وضمان نوع من السلاسة بين اللغات الأمولغات المدرسة، على نحو يحصن المتعلم من الصدمة اللغوية والهوة اللسانية، وكل ذلك في مراعاة للبعد الوظيفي للغات التعليم، الكفيل بتيسير الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والقيمي، ويحقق أهداف التأهيل والقابلية للتشغيل والإسهام الفعلي في بناء المشروع الشخصي، في تكامل مع الانخراط في الأوراش التنموية للبلاد.

ألا يقتضي الأمر وضع سياسة لغوية جديدة، من خلالها سيتم  تدبير التنوع اللغوي في المنظومة الوطنية للتربية والتكوين؟

إن الحديث عن سياسة لغوية جديدة يستجيب اليوم تماما لمستجدين أساسيين عرفتهما بلادنا. أولا، تحديد الدستور للخيارات الكبرى للسياسة اللغوية لبلادنا، وثانيا، الانشغال الوطني الملحب الاختلال المزمن داخل منظومتنا التربوية على مستوى التدبير البيداغوجي للمسألة اللغوية. فكيف يتأتى للمنظومة التربوية  الوطنية مراجعة سياستها التعليمية اللغوية في استحضار مرجعي لهذين السياقين؟ بأي معنى يتعين على أي إصلاح تربوي أن يضع في أولوياته معالجة ناجعة لهذه الإشكالية، في استحضار للأعمال التي سيقوم بها المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية المزمع إحداثه، ولمقتضيات القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية المتوقع صياغته وعرضه على الجهازين التنفيذي والتشريعي؟

إن المجلس الأعلى للتعليم، بقدر ما ينبغي أن يأخذ كل هذه الاعتبارات في اشتغاله على هذا الموضوع، وبتنسيق مع القطاعات الحكومية المعنية، فإنه مدعو أيضا إلى اقتراح بعض التدابير الأولية لمعالجة هذه الإشكالية، التي تتطلب أكثر من غيرها الجرأة وتجنب المزايدات الضيقة، ووضع مصلحة المتعلم ومستقبله، بوصفه مواطن الغد، في أسبقية الأسبقيات، مع النظر إلى اللغات في تعددها داخل المشهد اللساني المغربي، بما في ذلك التوظيف البيداغوجي للهجات، واستحضار مختلف أبعاد اللغة؛ الهوياتية والحقوقية والثقافية والمعرفية والتنموية.

ما هي المقاربة التي ستعتمدها خارطة طريق مجلسكم في شأن إدماج اللغة الأمازيغية  في الإصلاح الجديد للمنظومة التربوية وتأهيلها؟

مع أن الكثير من عناصر الإجابة عن هذا السؤال يتضمنها الجواب عن السؤال السابق، يمكن التذكير بأن المجلس الأعلى للتعليم أنجز العديد من الدراسات حول المقاربة البيداغوجية للمسألة اللغوية. وكان دائما يلح على ضرورة وضع إطار واضح للغة الأمازيغية في المنظومة التربوية بمختلف مكوناتها، مشددا على أهم المشاكل التي تعترض تدريسها، وخصوصا أطر التدريس المتخصصة والإشكاليات المرتبطة بالتعميم والتخصص الجامعي والاهتمام بالبعد الثقافي للأمازيغية. هذه بعض الأفكار التي لا شك أنها ستكون من بين قضايا أخرى سيعالجها مشروع القانون التنظيمي لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، كما سينكب عليها دون شك المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، حالما يتم تفعيله.

أما بالنسبة للمجلس الأعلى للتعليم، ففي تقديري أنه سيكون مدعوا لأخذ كل هذه المعطيات بعين الاعتبار، من أجل إذكاء اجتهاد جماعي وذكاء مبتكر للإسهام في المستقبل، وبعد استكماله للعمل التقويمي للمنظومة التربوية، بما في ذلك السياسة اللغوية التعليمية، بخطة بيداغوجية متكاملة وجريئة وواقعية لتجاوز هذا الاختلال الوازن، في تجاوب مع مصلحة المتعلم وانتظارات الأسر وحاجات المجتمع بنسيجه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والتحديات المطروحة على الصعيد العالمي.

هل سيتم إشراك الفاعلين والهيئات الأمازيغية في النقاش الذي تنص عليه خارطة طريقكم؟

اسمحوا لي أن أغتنم الفرصة أولا، لأوضح مرة أخرى أن المجلس ليس اليوم بصدد وضع خارطة طريق للإصلاح التربوي، وإنما هي خارطة طريق لتقويم عشرية الإصلاح والإسهام في تسريع التدابير الكفيلة بتفعيل المجلس المقبل. وثانيا، لأؤكد على أن المقاربة التشاركية هي جوهر عمل المجلس وإحدى الغايات الكبرى من وجوده. كما أغتنم الفرصة لأخبر قراء العالم الأمازيغي بأن المجلس يعتزم إيلاء عناية خاصة لتواصل تفاعلي مع المدرسين والمكونين ومختلف الفاعلين المعنيين بقضايا التربية والتكوين والبحث العلمي، بما يضمن مشاركتهم وانخراطهم في أشغال المجلس الحالي، ثم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بعد إرسائه.

فمن الطبيعي إذن أن يتم إشراك الفاعلين والهيئات الأمازيغية في النقاش المفتوح حاليا وفي أي نقاش يخص مسألة تدريس اللغات وتعلمها بالمنظومة.

لم يخضع  تدبير القطاع التربوي للمزايدات والصراعات السياسية فحسب، بل ظلت مضامين مادته الدراسية  موضوع إيديولوجيات ومذاهب مختلفة على حساب قيم المواطنة وحقوق الإنسان كذلك. أيضع المجلس ضمن أجندته تصحيح محتوى بعض المناهج التربوية المتناقضة مع مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان التي نصت عليها الوثيقة الدستورية؟

من الطبيعي أن تكون المدرسة، باعتبارها شأنا يهم الجميع، موضوع آراء ووجهات نظر متعددة، ومحط مقاربات وخيارات مختلفة، وهذا ما يجعلها في قلب المجتمع، كما يجعل المجتمع في عمقها. غير أن كون المدرسة هي المؤسسة التربوية والتعليمية والتكوينية والتأهيلية لأجيال المستقبل ولمواطني الغد، يستدعي لزوما وضع قواسم مشتركة، ولاسيما فيما يتعلق بمنظومتها القيمية ومناهجها التربوية وبرامجها التكوينية، مع تنويع عرضها التربوي ومقارباتها البيداغوجية وتكريس الاستقلالية الوظيفية لمؤسساتها.

ومن المؤكد أن مرجعيتنا الأساس اليوم في مراجعة كل هذه الأمور، وضمن مقاربة تعزز المكتسبات، تتمثل أولا في الاحتكام إلى مقتضيات الدستور ذات الصلة بالتربية والتكوين والبحث العلمي، وثانيا في الاستناد إلى الإطار المرجعي للإصلاح الذي يمثله الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي حظي بتوافق سياسي من قبل الأغلب الأعم من مكونات الأمة، والذي يظل، كما أكدت سابقا، مفتوحا على الاجتهاد والتحيين والإغناء.

وفي تقديري أن مهمة المجلس فيما يتعلق بمراجعة المناهج والبرامج، التي تعدمن أولويات تأهيل منظومتنا التربوية اليوم، ليست مهمة إنتاج المحتويات والمضامين، بل اقتراح المقاربات والمنهجيات الناجعة لتحقيق هذا الهدف، مع مواكبة ذلك بالتتبع والتقويم.

حاوره: سعيد باجي

شاهد أيضاً

sassi

لأول مرة اسماعيل الساسي يحكي تفاصيل اغتيال عباس المساعدي في حوار مع «العالم الأمازيغي»

اسماعيل الساسي: قتل لمساعدي من ورائه عدة أطراف والقضية مرتبطة بجيش التحرير في تطوان قدم ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *