ملاحظات نقدية حول بلاغ وزارة الوردي

بقلم: عبدالله الحلوي

أصدرت وزارة الصحة بلاغا توضيحيا بخصوص ظروف وفاة الطفلة إيديا فخر الدين القاطنة بتودغا العليا بإقليم تنغير دعت فيه الى “عدم إصدار أحكام مسبقة وغير مبنية على معطيات واقعية”، مؤكدة أنها “أوفدت لجنة مركزية لفتح تحقيق دقيق لمعرفة أسباب وظروف وفاة هذه الطفلة وتحديد المسؤوليات”.

سأحاول في هذا المقال أن أحلل نص بلاغ الوزارة لنرى ما إذا كان كلام الوزارة مبنيا على “عدم إصدار أحكام مسبقة” و”معطيات واقعية” أم أنه مجرد محاولة غير أخلاقية للتهرب من تحمل المسؤولية في وفاة الفتاة إيديا ذات السنتين.

يكثر بلاغ وزارة الصحة من استعمال فعل “استوجب” وما في معناه (مثل فعل “دفع”) من الأفعال الدالة على أن كل ما حدث أملته ضرورة الواقع وإكراهاته. فنقل الفتاة إلى فاس “استوجبته” ضرورة تعميق فحص الإصابة، ونقلها من تينغير إلى الرشيدية “استوجبته” ضرورة فحصها بالسكانير. إلا أن التأمل الناقد في نص البلاغ يكشف عن مُغيّبات يغضّ عنها كاتب البلاغ النظر بشكل يثير الريبة في روايته. من ذلك مثلا قوله: “تبين أن توجيهها من مستشفى تنغير إلى الرشيدية، استوجبته ضرورة فحصها بجهاز السكانير بالرشيدية”. فلا يذكر البلاغ سبب نقل الفتاة إلى الرشيدية أصلا. أفلا يعني هذا الكلام أن الوزارة تعترف بأن مستشفى تينغير لا يتوفر على سكانير، وألا يعني عدم اعتذارها أن الوزارة لا تعتبر عدم توفر هذه المدينة على سكانير خطأ بل مجرد صدفة لا “تستوجب” الإعتذار أصلا. الشعب لا يريد أن يعرف ما “استوجبه” الواقع (نقل الفتاة إلى الراشيدية) بل يريد أن يعرف ما أفرز هذا الواقع وفرضه واقعا مريرا على أبناء الجنوب الشرقي للمغرب.

من مظاهر التدليس في نص بلاغ الوزارة أنه يستعمل أسلوب “تشخيص ما ليس بشخص” لتجنب إثارة الأسئلة عن المسؤولين. وهذا ما يظهر جليا في قوله: “وحيث إن الفحص بالسكانير لم يمكن من تدقيق التشخيص، فإن الأمر استدعى عرض الطفلة على تخصص جراحة الوجه بالمركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس.” يستعمل البلاغ أسلوب إلقاء اللوم على الآلة بدل البحث عن المسؤول الحقيقي الذي يستعمل هذه الآلة: فماذا يعني أن “الفحص بالسكانير لم يمكن من تدقيق التشخيص”؟ هل هذا يعني أن هذا السكانير لا يعمل بشكل جيد. كلا! فبلاغ الوردي نفسه يؤكد على أن مستشفى الراشيدية “يتوفر على جهازين للسكانير، أحدهما من الجيل الجديد”. مما يعني أن الخطأ يتحمل مسؤوليته الطبيب الذي قام بالتشخيص في هذا المستشفى، وهذا عين ما يحاول بلاغ الوردي تجنب الإعتراف به، وهو أيضا عين ما اعترف به المسمى “عبد الرحيم الشعيبي”، المدير الجهوي لوزارة الصحة بجهة درعة – تافيلالت، الذي اعترف بأن المستشفى يعاني من “غياب التخصصات ومحدودية الموارد البشرية والخبرة المهنية.”

يدلس البلاغ أيضا على القارئ بتغييب معلومات لا يكتمل فهمنا للواقع إلا باستحضارها. وهذا ما تجده في قول البلاغ: “إن الفحصين معا أكدا عدم وجود مضاعفات على مستوى الدماغ، بل إنها كانت لحظتها تعاني من كسور ورضوض على مستوى عظام سقف العين”. لم يوضح البلاغ ما يقصده بقوله “كانت لحظتها”. هل يقصد بذلك أن الطفلة إيديا لم تكن تنزف داخليا وأن النزيف حدث بعد أن نُقلت بالراحلة إلى فاس؟ وهل هناك دليل علمي على ذلك أم أنه مجرد كلام لإبعاد المسؤولية عن الوزارة وموظفيها؟ فهذا هو مربط الفرس: هل أخطأ الطبيب في تشخيصه في مستشفى الرشيدية أم لا؟ هل من الممكن لطبيب قضى سنوات طوال في التدرب على علوم الطب أن يسقط في مثل هذا الخطإ التشخيصي، أم أن الأمر يتعلق باستصغار حياة الناس في منطقة تصنفها الأيديولوجيا السرية ب”المغرب غير النافع”؟

لقد مضى الزمان الذي كان فيه الدجالون ينفون المسؤلية عن أنفسهم بمجرد إصدار بلاغ بارد يتمترس بالتدليس ولغة الخشب … بلاغ الوزارة محاولة غير ناجحة لإسكات الباحثين في الأسباب العميقة لعذابات المغرب العميق.

شاهد أيضاً

أنقذوها ولو أنها غارقة

بقلم: عادل الزبيري يمسك بيد قطعتين من الخبز الصغير الفرنسي بالشوكولاتة، وبيده الأخرى كأس عصير، ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي ...