خبرة الدراسات الأفريقية في المغرب

أحمد الخنبوبي – باحث في علم السياسة

تعد دراسة المناطق مجالا علميا يتميز بتعدد وتداخل الاختصاصات العلمية داخله، ويعنى هذا الحقل العلمي بدراسة قضايا حول شعوب وبلدان العالم، وذلك من أجل فهم عميق لها، في أفق تطوير وتوطيد أواصر التعاون بين  الدول والشعوب[1]. هذا، ويضعني  تناول خبرة  الدراسات الأفريقية في المغرب بوصفها توجها أكاديميا انشغل عليه المغاربة منذ سنوات، أمام عدة اعتبارات هامة تتمثل بالأساس في:

اعتبارات جغرافية: كون المملكة المغربية، جزء لا يتجزأ من القارة الأفريقية، كما أن المملكة تحتل موقعا استراتيجيا في شمال القارة؛

اعتبارات تاريخية وثقافية: حيث إن تاريخ المغرب عبر الآلاف السنين، يشهد على دينامكية في العلاقات مع أفريقيا. كما أن علاقة المغرب بإفريقيا على المستوى الثقافي عرفت منذ القديم موجات من التأثير والتأثر، كما أن المغاربة تربطهم قواسم ثقافية مشتركة مع الأفارقة؛

اعتبارات سياسية: كون المغرب يعد من المؤسسين الأوائل لمنظمة الوحدة الأفريقية، لكن انسحابه من هذه المنظمة فيما بعد بسبب قضية الصحراء، خلف تداعيات سياسية في علاقاته مع البلدان الأفريقية؛

اعتبارات اقتصادية: حيث إن المغرب في السنوات الأخيرة، سن سياسة للانفتاح الاقتصادي والتجاري على القارة الأفريقية.

إن الاعتبارات السالفة الذكر، ستجعل إذن موضوع خبرة الدراسات الأفريقية في المغرب، موضوعا متميزا، لاسيما وأن هذا النوع من الدراسات، بدأ يطل على الساحة الأكاديمية المغربية في السنوات الأخيرة. كما أن هذه الاعتبارات ستجعلني  أكتشف أن ما راكمه المغاربة حول القارة السمراء من أبحاث علمية وكتابات، ليس باليسير، كون هذا التراكم بدأ منذ قرون خلت (كتب ثراتية، كتب صوفية، كتب الطبقات والتراجم والمناقب…). وهذا الزخم سيزداد أكثر، إذا أضفنا ما أنجز في الفترة الاستعمارية من طرف الأجانب المقيمين في المغرب، وخصوصا الفرنسيون منهم، والذين اهتموا على وجه الخصوص بالعلاقات التاريخية بين المغرب وبلاد السودان.

لهذه الأسباب والاعتبارات، فإن هذه المقاربة التي سأنجزها حول خبرة الدراسات الأفريقية في المغرب، ستهم بالخصوص ما أنجزه المغاربة وما راكموه تاريخيا، مع التركيز على الفترة الراهنة، أي منذ الاستقلال إلى الآن. وذلك انطلاقا من سؤال مركزي هو: ماذا عن خبرة الدراسات الأفريقية بالمغرب؟ وذلك انطلاقا من فرضيات أساسها:

  • إن القارة الأفريقية كانت دائما حاضرة لدى المغاربة، كمادة للبحث والكتابة، منذ عصور تاريخية قديمة؛
  • إن الدراسات الأفريقية كاهتمام علمي قائم بذاته، بدأ يشق طريقه في المغرب منذ الاستقلال إلى اليوم؛
  • إن تأسيس معهد الدراسات الأفريقية ،شكل عهدا جديدا من الاهتمام العلمي المغربي بأفريقيا.

هذه الفرضيات، ستحيلني إلى طرح الأسئلة الفرعية التالية :

  • ما هو المسار التاريخي لتراكم الدراسات الأفريقية في المغرب؟
  • ما هو واقع الدراسات الأفريقية في المغرب في الوقت الراهن، من خلال تجربة معهد الدراسات الأفريقية ومؤسسات علمية أخرى؟

إن طرح هذه الأسئلة والإجابة عنها، من خلال محاور هذه المقالة البحثية، سيجعلني أخرج بخلاصات وملاحظات، سنرى من خلالها مكامن القوة والضعف لخبرة الدراسات الأفريقية في المغرب. مما سيجعلنا جميعا قادرين عن طرح رؤى وتصورات حول آفاق هذا الحقل المعرفي في المنظومة الأكاديمية للمملكة. وسأعتمد بالأساس في إنجاز ذلك، على المادة العلمية المتوفرة، وكذا على  القوانين والمراسيم المنظمة لمجموعة من المؤسسات العلمية، ثم بالاعتماد على إصدارتها العلمية .

التطور التاريخي للدراسات الأفريقية في المغرب

1- حضور أفريقيا في المتن المعرفي التاريخي المغربي:

لرصد المسار التاريخي لتراكم الدراسات الأفريقية في المغرب، لا يجب أن نعيد المسار فقط إلى بعض الدراسات التي أنجزت في الفترة الاستعمارية، بل يفرض علينا الأمر، أن نعود كثيرا إلى الوراء. فالتاريخ المغربي يبين بجلاء أن القارة الأفريقية شكلت منذ قرون خلت، مجالا للبحث وللكتابة وللاستكشاف وللرحلة بالنسبة للمغاربة، وهو ما لا يمكن  أن أغفله وأنا بصدد التطرق لواقع الدراسات الأفريقية في الوقت الراهن. فهذا المسار يعد سياقا مهما لإبراز مدى الارتباط المغربي منذ التاريخي مع عمقه الأفريقي، ومدى شغف المغاربة لمعرفة أنماط عيش وتاريخ وحضارة وثقافة أشقائهم الأفارقة منذ الزمن البعيد. حيث إن الاهتمام العلمي الأجنبي بأفريقيا، والذي عرفته الفترة الاستعمارية الفرنسية والاسبانية للمغرب، لم يشكل في الحقيقة إلا نقطة من هذه السلسلة التاريخية للاهتمام العلمي بأفريقيا، كما أن هذا الاهتمام الذي حظيت به القارة السمراء من طرف باحثين أكاديميين مغاربة بعد الاستقلال، والذي توج بتأسيس معهد الدراسات الأفريقية، لم يخرج بدوره عن هذا المسار التاريخي الطويل.

وفي إطار هذه السلسلة التاريخية، لا يمكن التطرق للحضور الأفريقي في الكتابة المغربية، دون الرجوع إلى رحلة “حانون”، التي قام بها هذا الرحالة والزعيم القرطاجي الذي استقر في المغرب في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان المغرب منطلقا لرحلته، التي رافقه خلالها  مجموعة من المستكشفين  المغاربة. فقد قام هذا الرحالة والكاتب، برحلة بحرية امتدت على طول السواحل الأطلنتيكية لأفريقيا، وشملت عدة أقطار، سجل من خلالها “حانون” مجموعة من المعطيات التي وقف عنها، والتي تخص بالتحديد، المعلومات الجغرافية والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. هذا، بالإضافة إلى الأنماط الثقافية وطرق عيش السكان في المناطق التي زارها. وتعد تسجيلات رحلة “حانون” اليوم، أهم مصدر تاريخي للدارسين المهتمين بالتاريخ القديم وبجغرافية القارة. أما في العهد المرابطي، فقد أنجز العالم الجغرافي المغربي أبو عبد الله محمد الإدريسي، كتابا يتضمن تفاصيل رحلته العلمية التي شملت القارات الأفريقية والأوروبية والأسيوية، وقد كان هذا العالم هو أول من اكتشف منابع نهر النيل، كما قام بوضع رسومات لمواقع بحيرتي “فيكتوريا” و”ألبرت”، وقد اعترف بمجهوده العلمي جل الجغرافيين والمستكشفين الأوربيين الذين ظهروا في وقت لاحق، وقد طبع كتابه “نزهة المشتاق” في روما سنة 1592، وترجم لعدة لغات في العالم [2]. كما يعتبر هذا العالم، أول من وضع خريطة للعالم، وأول من حدد خط الاستواء وخطوط الطول والعرض. كما عرف عصر الموحدين، بروز عالم جغرافي آخر مهتم بالقارة الأفريقية، إنه عبد الواحد المراكشي، صاحب كتاب “الاستبصار في عجائب الأمصار”، الذي يعد موسوعة في حقول التاريخ والجغرافيا والآداب، والذي يتضمن تفاصيل رحلته التي شملت عدة أقطار أفريقية[3]. كما حقق المغاربة في عهدي المرينيين والوطاسيين، إنجازات علمية باهرة تتعلق بالقارة الأفريقية، تتجلى بالأساس من خلال ما قام به الرحالة المعروف “ابن بطوطة”، الذي دون رحلته الأولى إلى بلاد السودان، وقد تميزت تقييدات بن بطوطة من خلال رحلته بالدقة والتفصيل، وكذا تعدد مناحي هذا الوصف، الذي شمل المجتمعات والآثار والشخصيات الدينية والعلمية والأحداث الخاصة. ولا تزال رحلة بن بطوطة إلى اليوم، محل عناية الباحثين في مختلف بقاع العالم، وقد ترجمت هذه الرحلة لعدة لغات. كما يعد هذا الرحالة المغربي، أول من دخل إلى وسط أفريقيا ممن وصلت رحلاتهم إلينا، وهذا ما يؤكده الباحث “والكنر” في كتابه “أبحاث جغرافية عن داخل أفريقيا الشمالية” [4]. كما عرفت هذه الفترة التاريخية، ظهور الجغرافي المعروف الحسن الوزان، المشهور ب “ليون الأفريقي”، والذي أنجز كتابا مهما عن القارة الأفريقية، لا يزال مرجعا للدارسين إلى حدود اليوم، إنه  كتاب: “وصف أفريقيا”. كما تم العثور على مخطوطة لهذا العالم بعنوان: “تاريخ حديث عن أفريقيا”، ويحتوي الكتاب الأول على معطيات علمية مهمة حول الجغرافيا والتاريخ وحضارة عدة مناطق أفريقية. وعرف عصر السعديين والعلويين بدورهم، ظهور كتاب أنجزوا كتابات حول أفريقيا، من بينهم عبد الرحمان بن عبد الله السعدي، وأبي عبد الله محمد بنعيسى وغيرهم.

إن هذه الدراسات والأبحاث والكتب والرحلات السالفة الذكر، والتي أنجزت في هذه الفترات التاريخية، رغم أنها لم تكن دراسات مناطق بالاصطلاح الحديث للكلمة، إلا أنه يمكن وصفها بدراسات كلاسيكية للمناطق، كونها لم تخرج عن القاعدة الذهبية لدراسة المناطق، والتي مفادها “دراسة شعوب المناطق الأخرى، بزوايا علمية مختلفة، بغية التعرف عليها والتقارب معها”. وبالتالي، فإن ما راكمه هؤلاء الرحالة والكتاب والجغرافيون والمؤرخون، يعد مادة علمية مهمة عن القارة الأفريقية، ولعل ما يؤكد هذا الطرح، هو مدى اعتماد الأبحاث والدراسات الراهنة المتعلقة بأفريقيا على هذه الكتابات التي أنجزها الباحثون الأوائل. كما أن أهمية هذه الكتب القديمة حول أفريقيا، تتجلى من خلال ترجمتها إلى عدة لغات عالمية. كما أن هذه الانجازات الخاصة بهؤلاء الأسلاف، تعبر وبدون شك، عن حضور أفريقيا كمادة للكتابة لدى المغاربة منذ القديم، وهو ما سيمهد لاهتمام علمي في وقت لاحق، لاسيما في الفترة الاستعمارية وما تلاها.

2- الدراسات الأفريقية في المغرب: من المتن الكولونيالي إلى المغربة

لقد كانت دراسة العلاقات الأفريقية المغربية حاضرة بقوة في متن السوسيولوجيا الاستعمارية الفرنسية والاسبانية على وجه الخصوص، ويتضح ذلك من خلال الكتب التي نشروها، أو من خلال المقالات العلمية التي كانت تنشر من طرفهم  في مجلتي “هسبيريس” و”تامودا”، وأذكر من هؤلاء الباحثين الأجانب: “سيفان غيزل” صاحب كتاب “التاريخ القديم لشمال أفريقيا”[5]، وكذا الباحث “شارل أندري جوليان”، و”إميل فليكس غوتيه” صاحب كتاب “ماضي أفريقيا الشمالية: القرون المظلمة”، وكذا كتابات “روبير مونتان” و”روني باصي ” وغيرهم من المستشرقين . لكن ما يميز هذه الكتابات الأجنبية في رصد علاقات  المغرب مع عمقه الأفريقي، هي أنها لم تخرج عن السياق التاريخي الذي زامن هذه الأبحاث وأطر تطورها وحكم مقاصدها وأبعادها، وبالتالي ارتباط هذه الدراسات بالظاهرة الاستعمارية نفسها، وما يندرج ضمنها من قضايا وإشكاليات، ومنه جاءت نتائجها تعبر عن ماانفك يطرحه الاحتلال نفسه ومستجيبة لإستراتيجيته[6]. فبمجرد ما وطئت أقدام المستعمر أرض إفريقيا الغربية، انقطعت كل صلة بين المنطقتين طبقا لإستراتيجية محددة الهدف، منها فصل المغرب عن جذوره الإفريقية، وقد حاول المغاربة بجهودهم الذاتية إحياء هذه الصلات فيما بعد. وبالتالي فإن تمحيص هذه الدراسات الاستعمارية، يجعل الدارس يخرج بخلاصات مفادها أن هذه الدراسات تستهدف  بالأساس:

– إظهار الوجود المغربي في بلاد السودان وبالمناطق الأفريقية، كوجود استعماري. وهو ما يمكن نفيه بسهولة، حيث إن هذه الدراسات ركزت بالأساس على الفترة السعدية، وبالضبط فترة السلطان أحمد المنصور الذهبي، التي عرفت  تجاذبا بين المغرب والسودان [7]. لكن هذه الدراسات نسيت أو تناست الحضور المغربي في أفريقيا منذ فترات ما قبل المرابطين أنفسهم، وما حدث من تمازج ثقافي ونشر للإسلام وللطرق الصوفية من طرف المغاربة في هذه الأقطار؛

– محاولة هذه الدراسات الاستعمارية في وقت لاحق، تسميم العلاقات المغربية الأفريقية من خلال خلاصاتها العلمية، حيث عمل الاستعمار بالاستناد إليها، تفادي النضال المشترك بين المغاربة وأشقائهم الأفارقة [8]. فقد كانت القوى الاستعمارية متخوفة من هذا التقارب، وهو ما جعلها تغذي القاعدة الاستعمارية القديمة-الجديدة: “فرق تسود”.

إن هذه الفترة الاستعمارية، التي خلفت تراكما علميا حول العمق الأفريقي للمغرب بمساوئها وحسناتها، لها ما لها وعليها ما عليها. حيث إنها فسحت المجال ما بعد استقلال المغرب إلى ظهور نخبة أكاديمية مغربية، وجهت اهتمامها العلمي نحو أفريقيا، وذلك منذ البدايات الأولى لاستقلال المملكة، حيث اهتم هؤلاء العلماء المغاربة من أمثال: ابراهيم الكتاني ومحمد المنوني وعبد الهادي التازي ومحمد زنيبر ومحمد الفاسي وغيرهم، بقضايا التاريخ وبالتحديد مسألة المخطوط الأفريقي في المغرب، وعملوا على تحقيق مجموعة من المخطوطات القيمة لعدد من العلماء والفقهاء والمتصوفة في بلاد السودان، ومن أقطار أفريقية عدة[9].

إن هذا الاهتمام العلمي بأفريقيا الذي بدأه جيل الرواد بعد الاستقلال، سرعان ما سيتطور ليحقق بدوره تراكما ظهر بشكل واضح مع مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حيث تعززت العلاقات العلمية المغربية-الأفريقية ، بتأسيس رابطة علماء المغرب والسينغال، وكذا من خلال تبادل بعثات علمية ودينية بين المغرب وعدة أقطار أفريقية. هذا، وسيتعزز الحضور العلمي الأفريقي في المغرب، في سياق سياسي عرف انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الأفريقية. حيث إن المملكة المغربية ستبحث عن حضور ثقافي وعلمي في القارة السمراء لتعوض  به غيابها السياسي. وقد كانت نقطة التحول البارزة في هذا الصدد، هي حادثة إلقاء أحد الدروس الحسنية الرمضانية، في حضرة العاهل الراحل الحسن الثاني سنة 1987، من طرف العالم السينغالي المعروف “ابراهيم ديوب”، والذي تطرق درسه العلمي إلى العلاقات الثقافية التاريخية بين المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء، وهذا ما حدا بالعاهل الراحل إلى إبداء اهتمامه الكبير بالموضوع، وإعطاء تعليماته بتعزيز البحث الأكاديمي في هذا الإطار. وهو ما أدى إلى إحداث كرسي الدراسات الأفريقية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط، والذي أشرف عليه الأستاذ محمد حجي المنتمي إلى شعبة التاريخ، ليفرز هذا الكرسي مجموعة من الباحثين الحاصلين على دبلوم الدراسات الأفريقية والمهتمين بقضايا القارة، والذين سيشكلون نواة معهد الدراسات الأفريقية في الرباط[10]، وهو المعهد الذي رأى النور سنة 1990.هذا الأخير، سيكون مكسبا للدراسات الأفريقية في المغرب، لكن هذا المعهد لم يستطيع تطوير أدائه بشكل يسمح له بتوسيع وتعميق دائرة اهتمامه بالقارة الأفريقية.

واقع الدراسات الأفريقية في المغرب، من خلال تجربة معهد الدراسات الأفريقية ومؤسسات علمية أخرى

  • معهد الدراسات الأفريقية:

يعد معهد الدراسات الأفريقية، مؤسسة جامعية تابعة لجامعة محمد الخامس في الرباط، أنشئ عام 1987 [11]. وذلك بتعليمات مباشرة من العاهل الراحل الحسن الثاني، وشرع المعهد في ممارسة نشاطه العلمي سنة 1990، وقد جاء تأسيس المعهد في سياق سياسي عام تميز بانسحاب المغرب من منظمة الوحدة الأفريقية، بعد خلاف معها حول قضية الصحراء، بعد اعتراف المنظمة بجبهة “البوليزاريو”. هذا، ويهدف المعهد حسب المرسوم المؤسس له، إلى دراسة الحضارات واللغات واللهجات الأفريقية. ويسير المعهد من طرف مدير يعين لمدة أربع سنوات. وتبعا لهذا، تناوب على تسيير المعهد  منذ تأسيسه إلى اليوم، كل من: أحمد توفيق والحسين مجاهد (مدير مكلف) وحليمة فرحات وفاطمة الحراق ثم يحيى أبو الفرح.

وقد تحددت مهام المعهد بالأساس من خلال البحث في العلوم الإنسانية وتنظيم الندوات والمحاضرات التي يساهم فيها الباحثون الأفارقة، ثم إصدار الدوريات والمساهمة في الأنشطة الثقافية في القارة الأفريقية، وربط العلاقات مع الهيئات العلمية التي لها نفس الغرض. وتتحدد هيكلة معهد الدراسات الأفريقية من خلال ضمه لمراكز بحث تتمثل بالأساس في:

  • مركز العلوم الإنسانية؛
  • مركز البحث المتعدد التخصصات؛
  • مركز التوثيق؛
  • مركز النشر؛
  • مركز الخبرة والوساطة؛
  • مركز الدكتوراه.

ويعمل في المعهد حاليا 22 أستاذا دائما، يتوزعون على اختصاصات: التاريخ والجغرافيا وعلم السياسة والعلاقات الدولية والأنتربولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد والآداب. وتتحدد محاور اشتغال الباحثين في المعهد من خلال :

  • التحولات السياسية والاقتصادية بالبلدان الأفريقية؛
  • العلاقات المغربية الأفريقية؛
  • التراث المغربي الأفريقي؛
  • التحديات المشتركة بين المغرب وأفريقيا؛
  • قضايا الدين؛
  • قضايا التنمية والبيئة؛
  • قضايا السلطة والهوية؛
  • اللغة والآداب[12].

وقد قام المعهد منذ تأسيسه إلى اليوم بإصدار ما يزيد عن 80 إصدارا، تتوزع بين المحاضرات والأبحاث والمعاجم والتراجم والأطروحات والدراسات الأدبية. كما أن المعهد دأب على إصدار مجلتين علميتين محكمتين، الأولى بالعربية، وتحمل اسم “المغرب الأفريقي”، تناولت في أعدادها السابقة ملفات علمية حول قضايا أفريقية راهنة، وكذا حول مواضيع تاريخية. أما المجلة الثانية التي يصدرها المعهد، فهي باللغة الفرنسية، وتحمل اسم “دفاتر البحث” les cahiers de la recherche ، تناولت بدورها في أعدادها السالفة، مواضيع علمية حول القارة الأفريقية بمساهمة نخبة من الأكاديميين.

هذا، ومن خلال رصد مسار وتجربة معهد الدراسات الأفريقية في المغرب، منذ تأسيسه إلى اليوم ، أي ما يقرب  23 سنة من عمله، فإنه يمكن تسجيل الملاحظات التالية حول أداء المعهد:

-يمكن القول إجمالا أن تأسيس  معهد الدراسات الأفريقية، شكل حدثا علميا في المغرب، كون هذا الأخير حاول أن يخرج الدراسات الأفريقية من دائرة الاجتهادات الفردية، وأن يدخلها إلى دائرة المأسسة والتقنين؛

-أداء المعهد منذ تأسيسه إلى اليوم لا بأس به، كون المعهد رغم ما راكمه من تجربة، إلا أنه لم يستطع مجابهة المعاهد المتخصصة في الدراسات الأفريقية في عدد من الدول الغربية، مثل مركز الدراسات الأفريقية في جامعة “بنسيلفينيا”[13]، وكذا في دول أفريقية نفسها، مثل مركز الدراسات الإفريقية التابع لجامعة أفريقيا العالمية في السودان، والذي يصدر مجلة دراسات أفريقية، أو مركز الدراسات الأفريقية التابع لجامعة القاهرة في مصر[14]؛

-على الأقل استطاع المعهد أن يقوم بإحياء جزء من التراث الأفريقي في المغرب، وكذا أن ينبش في تاريخ العلاقات المغربية الأفريقية، و أن يعيد مصالحة المغرب مع عمقه الأفريقي؛

-لم يقدر المعهد على تطوير أدائه، لعدم انفتاحه على تخصصات علمية مختلفة، خاصة في العلاقات الدولية والعلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، حتى يواكب التغيرات التي تعرفها القارة الأفريقية  اليوم، فقد طغى البحث في المجال التاريخي على حصة الأسد من عمل المعهد؛

-تقتضي التطورات الراهنة، تطوير القوانين المؤطرة للمعهد بشكل يجعله مؤسسة مستقلة بشكل أكبر، مما سيمكنه من تنمية موارده المالية، التي تعد ضرورية لانجاز دراسات وأبحاث عميقة حول القارة الأفريقية. فشح ميزانية المعهد اليوم، يشكل أحد كوابح تطور هذه المؤسسة العلمية.

2- الدراسات الأفريقية في المغرب من خلال مواقع علمية وثقافية مختلفة:

في إطار رصدنا لخبرة الدراسات الأفريقية في المغرب، لا يجب تجاوز مجموعة من المؤسسات العلمية في المملكة، وكذا بعض الإطارات الثقافية التي تشمل دائرة اهتمامها،هي أيضا، القارة الأفريقية. وهذه المؤسسات والإطارات تستطيع تطوير عملها في المستقبل، بشكل يسمح لها بالتفاعل العلمي أكثر مع القارة الأفريقية. ومن هذه الإطارات والمؤسسات يمكن استحضار:

*المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية: يعد هذا المعهد مؤسسة أكاديمية واستشارية في نفس الوقت، تعنى بالثقافة والحضارة الأمازيغيتين[15]. وقد أنشئت هذه المؤسسة العلمية بموجب ظهير ملكي صادر  سنة 2001 [16]. وذلك في إطار الانفتاح والانفراج السياسي الذي عرفه المغرب مع مطلع الألفية الثالثة ومصالحته مع ماضيه. هذا، وبحكم انتشار الثقافة الأمازيغية في حوالي 12 قطرا أفريقيا، هي: المغرب وجزر الكناري، والجزائر وتونس وليبيا ومصر والسودان وتشاد والنيجر ومالي وموريطانيا وبوركينافاصو. فإن مراكز البحث التابعة للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، والمتمثلة أساسا في مركز الدراسات التاريخية ومركز الدراسات الأنتروبولوجية والسوسيولجية ومركز الدراسات اللسنية واللغوية، مدعوة لانجاز دراسات عميقة حول الأمازيغية في كل الأقطار الأفريقية[17]. حيث إن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بحكم اختصاصاته، وبحكم الانتشار المكاني للثقافة الأمازيغية في عدة دول أفريقية، وكذا بحكم الإمكانيات المادية المهمة المتوفرة له، مطالب بالانفتاح أكثر في أنشطته العلمية على القارة الأفريقية، لاسيما وأن الثقافة الأمازيغية تعيش في الوقت الراهن دينامكية في البحث والتوثيق.

*معهد الدراسات الاسبانية والبرتغالية: يعد هذا المعهد مؤسسة علمية تابعة لجامعة محمد الخامس في الرباط[18]، أسست بحكم الزخم التاريخي والثقافي الذي يميز العلاقات المغربية –الأيبيرية. ويطرح هذا المعهد نفسه بإلحاح في إطار موضوع الدراسات الأفريقية، باعتبار أن مجموعة من الدول الأفريقية، هي دول ناطقة باللغتين الاسبانية والبرتغالية كأنغولا وغينيا الاستوائية والموزمبيق وغيرها. وبالتالي فإن هذه المؤسسة العلمية مطالبة بدورها بالانفتاح على دراسة هذه الدول، وكذا توجيه الباحثين المنتمين لها إلى إنجاز دراسات وأبحاث حول هذه الدول الأفريقية التي تنتشر فيها الثقافة واللغة الاسبانية والبرتغالية. وهذا ما سيعزز التراكم المغربي في مجال الدراسات الأفريقية ، كما أن ذلك سيشكل امتيازا علميا إضافيا للمغرب بين دول العالم، بحكم أن المملكة المغربية لها إرث ثقافي مشترك مع إسبانيا والبرتغال.

وفي إطار سرد المواقع العلمية الأخرى في المغرب والتي لها انفتاح على المجال الأفريقي يمكن كذلك ذكر:

*ماجيستر المغرب وأفريقيا: وهو مسلك ماجستير في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، وقد أشرف عليه الأستاذ الراحل محمد الكوهن، وتطغى المواد ذات الطبيعة الاقتصادية على برنامج هذا المسلك الجامعي، والذي يهدف حسب تصوره العام، إلى تكوين إلى تكوين أطر مغربية قادرة على  تنمية أواصر الروابط الاقتصادية بين المغرب والدول الأفريقية [19]، وأن تكون هذه الأطر في خدمة مجموعة من المقاولات والمؤسسات المغربية الكبرى، خصوصا في قطاعات الاتصالات والأبناك والتجهيز[20]. والتي أصبحت توجه استثمارات مهمة نحو القارة الأفريقية، وهو ما يحتم وجود أبحاث ودراسات علمية اقتصادية وتجارية لإنارة الطريق لهذه المؤسسات، من أجل توجيه وتقوية استثماراتها الخارجية.

*مجموعة البحث في تاريخ المغرب وإفريقيا في إطار كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الدار البيضاء: وهي تجربة علمية انفتحت على عدد من الدول الإفريقية، منها على الخصوص مالي والسنغال، وذلك عن طريق إبرام معاهدات مع جامعاتها، كما قامت بتنظيم ندوتين تتعلق بالعلاقات المغربية الإفريقية. هذا، بالاضافة إلى  التعاون الجامعي بين جامعة عبد الملك السعدي في تطوان، وكلية الدعوة الإسلامية في طرابلس، حيث عقدت ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية جنوب الصحراء، وقد كانت ندوة هامة شارك فيها عدد من الباحثين االأفارقة، وطرحت فيها قضايا تاريخية عديدة تصب في اتجاه خلق تفاهم بين الشعوب[21].

*مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث: هو مركز علمي يوجد مقره الرئيسي في الرباط، وله فرع نشيط في مدينة الراشيدية، ونظم هذا المركز ندوات علمية انفتح فيها على تيمات مرتبطة بقضايا الصحراء الأفريقية الكبرى، واستدعى إليها أكاديميين من دول أفريقية. وعليه، يمكن لهذا المركز أن يشكل ركيزة علمية مهمة في المغرب بالانفتاح على الصحراء الأفريقية الكبرى، التي يعد المغرب امتدادا جغرافيا وثقافيا لها.

كما تجدر الإشارة في موضوع الدراسات الأفريقية في المغرب، إلى أن هناك تظاهرات ثقافية في البلد توجه اهتمامها بشكل رئيسي نحو القارة الأفريقية، وهذه التظاهرات تتوفر على إمكانيات مهمة كمهرجان السينما الأفريقية في مدينة خريبكة، ومهرجان الموسيقى الأفريقية (كناوة) في مدينة الصويرة. إلا أن هذه التظاهرات وإلى حدود اليوم لم تستطيع توثيق الندوات العلمية والفكرية التي تقام على هامشها، وتعرف حضورا أكاديميا مهما، فمن شأن هذا التوثيق، إثراء الخزانة المغربية في شأن الدراسات الأفريقية، لاسيما في شق الفنون والآداب، والتي لا تقل أهمية عن باقي الأصناف العلمية الأخرى.

كما يمكن تسجيل ملاحظات أخرى في هذا الصدد، وهي عدم استفادة الجامعة المغربية من الطلبة المنتمين لدول أفريقية متعددة، الذين تابعوا ويتابعون دراساتهم العليا في المغرب، وذلك من أجل توجيههم وفق استراتيجية متكاملة، من أجل استثمار مجهوداتهم العلمية لخدمة العلاقات المغربية الأفريقية [22]. فكل ما تحقق في هذا الصدد إلى حد الآن، يعد اجتهادات فردية من طرف بعض الأساتذة الجامعيين الذين يؤطرون هؤلاء الطلبة في أطروحاتهم الجامعية في إطار هذا التوجه. كما أنه لم يتم استثمار العلاقات الدينية المغربية الأفريقية ، خصوصا في مجال التصوف، وذلك لإنجاز دراسات في هذا الإطار، الذي يعد مجالا خصبا للبحث والنبش، والذي بإمكانه إعادة بناء الروابط الحضارية التي جمعت المغرب بعدد من الدول الأفريقية منذ تاريخ بعيد.

على سبيل الختم

إن وضع خبرة الدراسات الأفريقية في المغرب في الميزان، يجعلنا نخرج بخلاصة مفادها أن أفريقيا بوصفها مجالا للبحث والكتابة، كانت حاضرة منذ أزمنة بعيدة في أجندة العالم المغربي، وإن تأرجحت حدة هذا الحضور من زمن إلى أخر. إلا أن الملاحظة المسجلة في إطار هذا الحضور، هي إن أجندة رجل السياسة، تفرض نفسها من أجل تكثيف أو تخفيف حدة هذا الاهتمام العلمي بأفريقيا من طرف المغاربة. إلا أنه ولكي تطور الدراسات الأفريقية وضعها في المغرب، لامناص من أن تخرج نفسها من جبة المؤرخين، وأن تقوي حضورها لدى الباحثين المتخصصين في حقول علمية أخرى، لاسيما في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والفكر الاسترايجي، حتى تستطيع هذه الدراسات الاجابة على التحديات التي تفرضها التفاعلات المختلفة التي تعيشها القارة الأفريقية اليوم. كما أن تطوير هذه الدراسات  في المغرب، من شأنه أن يغير نظرة المغاربة نحو أفريقيا، حيث أن هناك ميولا مغربيا كبيرا نحو الشرق، وإن المتخيل المغربي يعد المغاربة غير أفارقة، بل وقد ينفرون منهم في بعض الأحيان، مما يشكل حاجزا للتواصل العلمي والثقافي مع الأفارقة. ألم يكن المغاربة أنفسهم هم الذين أنتجوا الشعار السياسي القديم-الجديد: “أفريقيا للأفارقة”؟.

  • هذه المقالة البحثية مقتطفة من كتاب علم السياسة في المغرب لأحمد الخنبوبي.

1-أنظر عادل مساوي، توصيف مادة دراسة المناطق، ،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسلا، 2012.

– 2 إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، الجزء الأول، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء،2009، ص 228.

– 3  إبراهيم حركات، المرجع السابق، ص 335.

– 4  نفسه، الجزء الثاني، ص 157.

– 5  امحمد مالكي، الدولة في المغرب العربي، الإرث التاريخي وأنماط المشاركة السياسية، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الأولى،2009، ص 25.

– 6  امحمد مالكي، المرجع السابق، ص 24.

– 7 أنظر:محمد المختار السوسي، إيليغ قديما وحديثا، المطبعة الملكية، الرباط، 1966، ص 12.

– 8محمد رزوق، الدراسات الأفريقية بالمغرب: واقع وأفاق، مجلة أنفاس نيت الالكترونية anfasse.org

– 9  محمد رزوق، المرجع السابق.

– 10  خالد شكراوي، محاضرة ألقاها أمام طلبة العلوم السياسية بكلية الحقوق بسلا، في إطار مادة دراسات المناطق، يوم 28 دجنبر 2012.

– 11  مرسوم رقم 2-86-794، منشور بالجريدة الرسمية،المؤسس والمنظم لمعهد الدراسات الأفريقية التابع لجامعة محمد الخامس السويسي بالرباط.

– 12  معلومات مستقاة من دليل معهد الدراسات الأفريقية بالرباط، منشورات جامعة محمد الخامس السويسي،2011.

– 13  أنظر الموقع الرسمي لمركز الدراسات الأفريقية في جامعة “بنسيلفينيا” www.africa.upenn.edu

– 14  أنظر الموقع الرسمي لجامعة أفريقيا العالمية في السودان  www.iua.edu.sd

– 15 أنظر الموقع الرسمي  للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية www.ircam.ma

– 16  ظهير شريف رقم 299-01-1 (17 أكتوبر 2001) صادر في 29 من رجب 1422، يقضي بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

– 17  في هذا الإطار أصدر المعهد كتبا ك:الدين والمقدس لدى الشعوب الأمازيغية بأفريقيا من خلال المنقوشات. وكذا كتاب تدريس مادة شمال أفريقيا في الجامعات المغربية. بالإضافة إلى دراسة أنتروبولوجية حول جزر الكناري باللغة الاسبانية.وترجمة كتاب أحاديث هيرودوت عن الليبيين إلى اللغة العربية. وكذا مجموعة من المقالات العلمية المنشورة بالمجلة العلمية المحكمة للمعهد والمسماة “أسيناك”.

– 18  أنظر الموقع الرسمي معهد الدراسات الاسبانية والبرتغالية www.iehl.um5a.ac.ma

– 19 أنظر الموقع الرسمي لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش/www.ucam.ac.ma/fsjes/

– 20  في هذا الصدد، قامت شركة اتصالات المغرب باستمارات ضخمة بعدد من الدول الأفريقية، وكذلك الشأن بالنسبة لمجموعة التجاري وفابنك.

– 21  محمد رزوق، نفسه .

– 22 من خلال الإطلالة على دليل منشورات المؤسسات الجامعية التابعة لجامعة محمد الخامس السويسي المنشورة بين سنتي 2010 و2011 كنموذج، أو لسلسلة أعداد مجلة مراجع مغربية الصادرة عن مؤسسة أل سعود للدراسات الاسلامية والعلوم الانسانية المنشورة طيلة أشهر سنة 2010.

شاهد أيضاً

ثورة الابتسامة…

بقلم: عبدالحق الريكي قال لي: “أنتَ قاربت الستين من عمرك، وورائك مسيرة عمر من النضال، ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي ...