السرطان شبح الاستعمار

بوشتى ياسمينة

 

السرطان كلمة تصيب سامعها بالصدمة والهلع، وإن كان له علاج؛ فالكلمة صعبة جدا، ووقعها أصعب لدلالتها المباشرة على “الموت البطيء والمحقق”، خاصة إذا قيلت بالريفية “أخنزي”!!

كيف وصل هذا الشبح إلى منطقة الريف؟ وهل يمكن حقا ربط انتشار السرطان بشمال المغرب بالغازات الكيمياوية المستعملة أيام الاستعمار؟ وهل من دراسات أجريت في هذا الميدان؟ وهل من مجهودات تبذلها الدولة المغربية (على أرض الواقع) لخفض عدد ضحاياه بالريف، لكونه أصبح يعاند حوادث السير في حصد عدد القتلى؟ وكثيرة هي الأسئلة التي تثار في هذا الشأن، والمعني لا يبالي!

ولأنني لست بخبيرة في هذا الأمر، سأستعين بمن هم أكثر مني علما، إذ يورد الباحث المغربي مصطفى بنشريف في كتابه “الجرائم الدولية وحق الضحايا في جبر الضرر.. حالة حرب الريف” أنه، خلال ما تلا إلقاء الغازات السامة (كغاز الأيبيريت، غاز الخردل…) اللاتي يدوم تأثير بعضها على المدى البعيد من عقود من لدن القوات المستعمرة على أراضي المقاومة الريفية، انتشرت في المنطقة أنواع مختلفة من السرطانات بنسب هائلة؛ فتسجل أعلى معدلات الإصابة بالسرطان في المغرب بمنطقة الريف ما أكده بحث الدكتورة وفاء أقضاض لنيل دكتوراها والذي توصل إلى أن 80% من المرضى المصابين بالسرطان ينحدرون من الريف، ناهيك عن الذين لا يستطيعون العلاج لأسباب مادية فيتذوقون الموت ثانية بأخرى في منازلهم.

وبالحديث عن الغازات السامة، يقول الكاتب سيباستيان بلفور، في كتابه “العناق المميت.. من حرب الريف إلى الحرب الأهلية الإسبانية”، إن غاز الخردل السام يتسبب في طفرة وراثية؛ وهو ما يضع إمكانية انتقال السرطان (الذي يسببه الغاز ذاته) وراثيا من المصابين به نتيجة القصف الكيماوي في العشرينيات من القرن الماضي إلى أخلافهم..

ويضيف الكاتب أن تجارب عدة أنجزت في الولايات المتحدة الأمريكية تثبت أن غاز الخردل يحدث تغيرات متوارثة تؤثر في الجينات؛ وهو ما يؤدي إلى اختلالات تسبب في إصابة الشخص بالسرطان..

وتصنف هذه الغازات، وفق المواثيق الدولية، كأسلحة دمار شامل محظورة دوليا وفق اتفاقيات عدة؛ كاتفاقية جنيف 1864، واتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية 1973 وغيرها. فما رأي الشارع الإسباني في الأمر؟ وما الإجراءات الواجبة في حق على المشاركين في الجريمة؟؟

وبخصوص الدراسات الميدانية أو الندوات التي تعالج هذا الموضوع، تؤكد رئيسة جريدة العالم الأمازيغي بالناظور أن الدولة المغربية تمنع كل ما يتعلق بذلك؛ كمثال رفضها الترخيص للندوة، التي كانت تعتزم الجريدة على تنظيمها في 2008.

وبالرغم من كل الوسائل التي يستعملها المجرم لدحض هذا، فإن دراسات عدة تقوي فرضية الكيماوي، والطريق أمامنا لنصرة الحق، فكم من طفل أو شاب، امرأة أو رجل، شيخ أو عجور، قريب أو بعيد.. نفقدهم، يوما تلو آخر، بسبب هذا السم الملعون؛ آخرهم الطالب يوسف الدوحري، ابن بلدة بوكيدارن، الذي خطفه المرض منذ أيام معدودات..

وكم من أم فقدت فلذة كبدها في عز شبابه! وكم من طفلـ(ة) حرمـ(ت) من حضن والدتهـ(ا) أو حنان والدهـ(ا) بسبب مخلفات الاستعمار هاته!! فإلى متى!؟ وكم من روح سيأخذ منا بعد!! لماذا هذا الصمت المريب من الجهات المعنية بالأمر؟ أستستمر حياتنا على أن شبح الاستعمار بجانبك دوما!

لا شك في أن الصحة تعد أهم ما يملكه الإنسان في حياته، وهي حق على الدولة توفيره على أكمل وجه لمواطنيها. كما يجدر بها بناء مستشفى كامل التجهيزات والطاقم للسرطان بالأراضي الريفية، ليسهل على الأقل على المصابين الخضوع للعلاج!

 

شاهد أيضاً

رياح التغيير من الريف قادمة

بقلم: تسليت أونزار قد يرى البعض مبالغة في العنوان، لن الواقع  يقول غير ذلك، و ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي ...