أسرار الكتابة وطقوسها مع الروائية والشاعرة الأمازيغية خديجة إيكن

خديجة إيكن: «إني أقرأ أكثر مما أكتب. والأم لمكسيم غوركي أول ما قرأت وعمري 11سنة»

حدثينا عن منجزك الأدبي؟

نشرت ثلاثة دواوين أمازيغية، وعناوينها كالآتي: ديوان «إلودي» (الأقحوانة)، وهو أول إصدار نسائي أمازيغي في جهة سوس ماسة، وديوان «توجوت تاقبورت» (الرائحة العريقة)، وديوان «أم أسيف إغزيفن» (مثل نهر طويل). ثم رواية «تتريت ن تيوودش» (نجمة المغيب)، كما نشرت قصصا متفرقة باللغة العربية في الصحف.

هذا المسار الأدبي الحافل يجعلنا نفكر في قصة انخراطك في الكتابة، كيف جئت إليها؟

لم أفكر أن أكون كاتبة، لكني كنت أشعر برغبة في الحكي، ورغبة في مخاطبة شخص آخر، هكذا رحت في الإعدادية أكتب يومياتي الخاصة، وخواطر شخصية، أخترع فيها شخصا مجهولا، أرسل له خواطري التي لم يطلع عليها أحد. لكن الكتابة الحقيقية جئت إليها مع القضية البوسنية التي كان لها تأثير عميق في توجيهي للكتابة الواعية.

ماذا عن ظروف كتابة ونشر نصك الأول؟

نصي الأول كان قصة باللغة العربية تحمل عنوان «عندما تنساب كارمينا بورانا». كتبتها عام 1994 وأنا طالبة تحت تأثير الحرب في البلقان؛ أردت أن أفهم التحولات العنيفة للإنسان، وقيمة الإنسانية أمام قسوة الحرب على الوجود البشري، هذه بخلاصة ظروف كتابة نصي الأول. بعد ذلك ستفوز سنة 1996 بجائزة منظمة الإسيسكو لأحسن قصة في العالم الإسلامي. طبعا شعرت بالفرح لتلك الجائزة ذات المستوى الكبير، خصوصا وأن لجنة التحكيم كانت من جنسيات مختلفة، حينئذ تأكدت بأن قدري هو أن أكون كاتبة.

ثم هناك كتابي الأمازيغي الأول وهو ديوان «إلودي»، كان قرار إصداره نابعا من الوضعية التي كانت عليها اللغة الأمازيغية، كان لابد أن يكون لها مكان في الدستور، فكان الإصدار بها هو رسالة للمعنيين بالأمر، مساهمة مني ككاتبة في التعبير بلغة هي من أقدم اللغات الإنسانية، تتميز بجميع الخصائص الجمالية والأساليب البلاغية التي تجعلها في مصاف اللغات الأدبية الرفيعة، وبالتالي لم يعد بالإمكان التهاون في منحها المكانة اللائقة بها٠ أما نشر «إلودي»، فقد عملت كثيرا لأوفر ثمن إصدارها، أما ظروف نشرها، فقد كانت عصيبة، نتيجة تماطل كبير دام شهورا ،لم تكن لتصدر في وقتها المعروف لو لم يكن هناك إصرار حازم مني، ذلك علمني أن أباشر سير مشاريعي بنفسي٠

ما هو نصك الأقرب إلى نفسك؟

هو النص الذي يجعلني أتوق إلى العطاء، يجعلني سعيدة ويقلب مزاجي إلى الأفضل، إنه نص يخاطب عمقي الوجداني ويجعلني أرغب أكثر في الحياة برضى وفرح هادئ٠

ما هو مفهومك للأدب؟

الأدب هو محبة، مستحيل أن يمنحا الحقد والعنف أدبا، لهذا فالأدب هو وسيلة للتعبير عن إنسانيتنا ومنح متعة هذا التعبير للقارئ، إنه تبادل إنساني رفيع يجعلنا إيجابيين في حياتنا.

طرح سؤال «لماذا تكتب؟» على كثير من الكتاب، وكل منهم أجاب إجابة مختلفة. ماذا عنك، لماذا تكتبين؟

أكتب لنفسي أولا، لأني أشعر برغبة ملحة في داخلي تجاه الكتابة، فهي تمنحني إحساسا جميلا، ثم أفكر في الآخر حينما أكتب، لأني أرغب في أن يدخل إلى عالمي، وفي كلتا الحالتين أرغب في ترك شيء من روحي في الوجود٠

هل تمارسين طقسا، قبل وأثناء الكتابة؟

ليس عندي طقس معين، لكن الشيء الأكيد أني أبتعد عن التلفزيون، والراديو والأنترنيت، غير أني أترك النافذة مفتوحة، لأن صوت العصافير والأطفال يلعبون في الحي يجعلني أحس بالهدوء أكثر.

وهل تمارسين نقدا على نصوصك؟ هل تنفصلين عنها لتطلعي عليها بوصفك ناقدة لا مبدعة؟

ضروري، حينما أنتهي من عمل ما، فأنا أبتعد عنه لفترة تدوم أسابيع حتى أنسى وجوده، ثم أطلع عليه مرة أخرى بعد غياب خول لي التخلص من ذات المبدعة، والتحول إلى ذات الناقدة، حينئذ الرؤية تختلف، أصبح أقل عاطفية وأكثر عقلانية، فيبدأ عمل آخر، تصحيح وتغيير لكلمات أو جمل، أحيانا حذف لفقرات كاملة أوتشذيبها أكثر، هكذا حتى تحصل عندي قناعة تامة بالتقدم إلى مرحلة الطبع. لا أتسرع في أن أعبر عن نفسي ككاتبة، بل أولي أهمية كبيرة لقيمة الكتابة، لهذا آخذ الوقت اللازم في كل شئ٠

ما هي الفترة الزمنية التي استغرقتها كتابة نصوصك، كل على حذة؟

«إلودي»، و«توجوت تاقبورت» بدأتهما في نفس الفترة، سنة 1998 ، لكن النشر كان مختلفا، إلودي نشر في 2009 ، ثم توجوت تاقبورت جمعت فيه نصوصا ذات وحدة موضوعية كتبتها منذ 1998 إلى 2010؛ ثم نشرت في سنة 2011، بالنسبة لرواية «تتريت ن تيوودش» ٱستغرقت في كتابتها ثلاث سنوات٠ نفس الشئ بالنسبة لديواني «أم أسيف إغزيفن»، ثلاث سنوات.

ماذا تقرأين حتى ترفعي من القيمة الأدبية لكتاباتك؟

قبل أن أكون كاتبة أنا قارئة ولا زلت. أول نص أدبي قرأته كانت رواية الأم لمكسيم غوركي، كان عمري 11 سنة، بمعنى أني قارئة بقوة منذ الطفولة. نشأت في محيط أسري مثقف، ممتزج بمحيط المعارف والأصدقاء لأسرتي الذين كان لهم أبناء في الجامعة وأنا كنت بعد طفلة في الإبتدائية. كنت أجد لديهم روايات وقصصا من بقاع العالم، فقرأت من خزانتهم الأدب الروسي والصيني والأرجنتيني٠٠٠ بالتالي اكتسبت ذائقة أدبية متينة حتى قبل أن أصل إلى الثانوية، لقد كان لذلك أثر فيما بعد في مستوى كتابتي.

ما عدد النسخ المطبوعة من كل كتاب؟ وما هو حجم المبيعات؟

أطبع ألف نسخة من كل كتاب، أما حجم المبيعات فهو متفاوت حسب المناطق، أنا أكتب بلغة لم تكن ممدرسة، بمعنى لا يوجد بعد ذاك الجيل الذي سيقرأ بها، لهذا فالإصدار بهذه اللغة هو نضال محض، ومن خلال تعاملي مع الكتبيين فهم يشتكون من قلة القراءة بهذه اللغة، وهذه نتيجة منطقية، فهي لغة رسمت حديثا ثم لم تطبق فعليا في المدارس، فلا هي إجبارية ولا هي معممة، بل وتم تقليص عدد الأساتذة في نيابات تعليمية كثيرة، وتم حذفها في نيابات أخرى، لهذا قبل أن نتكلم عن حجم المبيعات علينا النظر أولا إلى حجم تدريس هذه اللغة، فالأمران مرتبطان، لهذا فلا زالت كتابتي بالأمازيغة تعتمد على رأسمال الحب الذي أكنه لها.

هل حصلت على أي تعويض مادي من كتبك؟ وهل يمكنك ذكر التفاصيل؟

لقد تكلمت عن الحب، حينما يكون خالصا فهو يكون بلا شروط. كان تفكيري منصبا على أن أخدم لغتي، ولم أفكر أبدا فيما سأجنيه من هذا الحب والعطاء، ربما لأني لا أنظر إلى الأدب كوسيلة للارتزاق، لهذا أستمر رغم قلة القراء بهذه اللغة للأسباب المذكورة سابقا٠ أما عن التعويض المادي، فمن هو المكلف بهذا التعويض هل هم أفراد، جمعيات، مؤسسات؟ أعطي الوقت الثمين لهذا الأدب بهذه اللغة، ليس بمقدور أحد أن يعوضني على هذا الوقت، كتبي أصدرتها بمجموع مالي شخصي قد يشتري لي سيارة جميلة، عوض تعب ومشاكل المواصلات اليومي، لكني فضلت أن أمشي مسافات طويلة وأتحمل ازدحام الحافلات والكفاح اليومي للمواصلات التي هي هاجس حقيقي لي، فقط لأتمكن من إصدار أعمالي التي تخدم لغتي، أنا منحتها وقتا غاليا من العمر الذي استغرقته في الكتابة، ثم منحتها مالي الخاص، لو لم يكن هذا العطاء أدبيا خالصا، لتوقفت مع الكتاب الأول، لكني رغم كل العوائق استمررت. مادام التعويض المادي غائبا فإن الجزاء الذي يهمني هو التقدير لهذا الكفاح.

لمن تقرأين من الكتاب الأمازيغ؟

أقرأ لكثير من الكتاب، لأني أحب أن أطلع على أفكارهم ورؤيتهم للحياة والناس، ومعرفة المواضيع التي يحبونها، لدي مكان في خزانتي مخصصة للكتاب الأمازيغ، منهم أصدقاء لي، ومنهم من لا أعرفهم، لكني تمتعت بقراءتهم٠

هل ثمة نصوصا نقدية منشورة اعتمدت إبداعك متنا للدراسة؟

بالنسبة لإلودي، وعلى حد علمي ليست له أية دراسة، رغم أنه أول كتاب تصدره امرأة باللغة الأمازيغية في جهة سوس٠ أما ديواني الثاني فحظي بدراستين نقديتين إحداها باللغة العربية والثانية بالفرنسية، أما روايتي فهناك دراسة نقدية قام بها الأستاذ لحسن زهور.

ما موقع الرجل في كتاباتك؟

موقعه محوري في جميع كتاباتي، خصوصا في ديواني إلودي، فهو الروح التوأم للمرأة، أخاطبه كثيرا مرة غاضبة ومعاتبة، ومرة عطوفة وممتنة، أما في الرواية فهو بطل نبيل. ليست لدي أي مشكلة مع الرجل، لأن الروح التي تسكنه هي نفسها الروح التي تسكن المرأة، روح الإنسان، من هذا المنطلق تتحدث عنه كتاباتي٠

بمن تأثرت إبداعيا؟

كل من أقرأ له إلا ويمنحني شيئا، لكن التأثير الوجداني كان عميقا مع الشاعر الفرنسي پول فيغلان، معه فقط بدأت أحب الشعر، خلق لدي جمال التذوق الشعري.كنت في الثانوية حينما أخذت أجمع درهما وراء درهم لأشتري أخيرا أول ديوان كامل في حياتي، كان ديوان هذا الشاعر الفرنسي الراقي، أظنني تعلمت منه أولا حب الشعر، وثانيا الإيمان بالبساطة. يختلف تأثير إبداع عن آخر، فهناك من تعلمت منه حب الكلمة مثل غارسيا ماركيز. وهناك من أثر في وجداني كفيغلان. وهناك من جعلني أندهش لأسلوبه التعبيري كالألماني هاينريش پول. وهناك من جعلتني أقتنع بأن الكتابة هي خطاب للأرواح كإميلي برونتي. وهناك من أحببتها لأني أحببت كتابتها العقلانية الرقيقة الساخرة كجان أوستن. وهناك ادريس الشرايبي الذي جعلني أشعر برغبة في التغيير والمضي أماما دائما، معه صار لدي تصور لمستقبل بلدي، مستقبل مبني على نقد الماضي وليس مقدِّسا له، مستقبل حداثي في كل شئ٠وهناك كاتب ياسين الذي عشقته كإنسان وككاتب، علمني التأمل والتفكير في ما وراء الجدران، تعلمت منه الجرأة في التعبير عن الحق، إني أتذكره دائما، بل أكثر، أنا أحبه ذاك الحب الإنساني الممزوج بالتقدير والإعجاب، ثم آخرون كثيرون، إني أقرأ أكثر مما أكتب. كل واحد من هؤلاء ساهم في منحي شيئا لأخلق ذاتي الإبداعية الخاصة.

هل كنت تحلمين بأن تصيري كاتبة؟

لم أحلم بالكتابة قط، مع الوقت وجدت في نفسي دافعا للكتابة، بعد ذلك صرت أعشق هذا المجال، لكن كانت لدي ميولاتا تعبيرية أخرى مثل التمثيل، فقد كنت في مسرح الطفل لمدرستي الإبتدائية أتنقل مع فرقة مدرستي عبر مدارس الدارالبيضاء لتقديم عروضنا المسرحية، كان حلمي الحقيقي إلى حدود الثانوية أن أكون ممثلة أو مغنية، لدرجة أن أمي كانت تشتكي من حجم الأشرطة التي أتلفها حينما أسجل فيها الأغاني بصوتي٠

ماذا يعني لك الرجل؟

توأم المرأة
والجنس معبرا عنه في الإبداع: الجنس بمعنى الكلمة لا أظنه يمنح إبداعا
والموت: القدر الحق الذي يعلمنا الرضى والتواضع
والدين: محبة الخالق
واللغة العربية: لغة بشرية جميلة بين لغات بشرية جميلة

حاورها: مبارك أباعزي

شاهد أيضاً

صباح العمراني فاعلة جمعوية مهتمة بقضايا المرأة والنوع في حوار مع “العالم الأمازيغي”

قالت صباح العمراني إنه لا يجب الانتظار اليوم العالمي للمرأة لتسليط الضوء على قضايا المرأة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي ...