أسائذة وباحثون يسائلون التنمية بالريف في ضوء الحراك الاحتجاجي

أجمع عدد من النشطاء والأساتذة الباحثين على أن حراك الريف يستدعي مقاربة تنموية تقوم على الحوار بين الدولة والمواطنين المحتجين، بدل القمع والاعتقالات التي تطال نشطاء الحراك، جاء ذلك خلال أشغال المائدة المستديرة التي نطمتها جريدة “العالم الأمازيغي” تحت عنوان “حراك الريف وأسئلة التنمية الجهوية “، مساء السبت 17 يونيو 2017، انطلاقا من الساعة العاشرة ليلاً، بمقر نادي الصحافة بالرباط.

وأكد رشيد الراخا رئيس التجمع العالمي الأمازيغي، الذي أشرف على تسيير أشغال المائدة المستديرة، في كلمته الافتتاحية على أن الحراك الشعبي بالريف وما يشهده من تضامن بمختلف المدن المغربية والأوروبية، وكذا ما يعرفه من تضامن للشعب الأمازيغي بالجزائر وتونس والولايات المتحدة الأمريكية، “كل هذا من شأنه أن يعزز الطريق نحو الديمقراطية، ويقطع الطريق أمام قيام أي نظام ديكتاتوري”.

وقال الراخا بأن الريفيين عانوا خلال القرن العشرين وحده من ثلاث ديكتاتوريات متتالية، كانوا هم السبب الرئيسي في تأسيسها، أولاها ديكتاتورية بريمو دي ريفيرا، الذي قاد انقلاباً عسكرياً عام 1923 وتسلم الحكم في إسبانيا، وذلك بعد هزيمة إسبانيا في معركة أنوال، والثانية ديكتاتورية فرانكو الذي قاتل الريفيون إلى جانبه خلال الحرب الأهلية، والثالثة ديكتاتورية الحسن الثاني الذي برز خلال أحداث 58 و59 في الريف.

أما عن اتهامات الانفصال التي توجهها الحكومة لنشطاء الحراك بالريف، بمبرر حملهم لراية الجمهورية الريفية، قال الراخا أن “الراية التي يرفعها بعض المحتجين في الريف علم للذاكرة الجماعية وعلم المقاومة وللتاريخ حتى لا ينسى المواطنون تاريخهم”.

وأكد الراخا أن الريفيين لم يكونوا انفصاليين يوما، “حيث أنه عندما نجح محمد بن عبد الكريم الخطابي في الانتصار على الجيش الإسباني، فيما هو معروف بمعركة أنوال، وحرر منطقة الشمال، سعى إلى تأسيس دولة لتسيير شؤون المواطنين الخاضعين لها، بحكم أنه انتصر على الجيش الإسباني، لكن فرنسا أدركت أن الخطابي كان يرغب في تحرير المغرب كله من الاستعمارين الفرنسي والإسباني، فبدأت الحرب التي انهزم فيها ليوطي”.
وأضاف أن عبد الكريم الخطابي لم يفكر طوال حياته بالانفصال، بل واصل، حتى وهو في المنفى، دعمه لحركات التحرير بشمال إفريقيا.

ومن جهته أكد محمد شطاطو، الباحث في علم الاجتماع، على أن منطقة الريف ومعها كل المناطق الأمازيغوفونية، تعاني من استمرار التهميش، وحسب شطاطو فإن المغرب ينقسم إلى منطقتين، منطقة عرفت تنمية على مستوى البنية التحتية والمستشفيات والجامعات، أسماها المثلث الذهبي، ومناطق تنعدم فيها الطرق والمدارس والمستشفيات والمعامل، وفي المناطق الأمازيغوفونية، أو ما أسماه شطاطو بمثلث اليأس.

وقال اشطاطو أن مصدر الرزق الوحيد لمنطقة الريف وغيرها من المناطق الأمازيغية كان هو الهجرة، فكانت البداية مع الهجرة إلى الجزائر، حيث أن العديد من المغاربة من شمال المغرب ومن سوس خاضوا تجربة هجرتهم لأول مرة إلى الجزائر التي كانت مستعمرة فرنسية منذ 1830، بسبب الطلب المتزايد على اليد العاملة الأجنبية في المزارع العصرية كان الآلاف من الفلاحين بالخصوص يقطعون مئات الكيلومترات مشيا على الأقدام حتى مغنية وسيدي بلعباس ووهران للعمل كعمال موسميين.

وبعد 1950 بدأت الهجرة نحو أوروبا، يضيف شطاطو، لترتفع حدة هذه الهجرة بالريف بعد سنة 1984، وهذا ناتج حسب شطاطو، نظرة لغياب إرادة لدى الدولة المغربية لتنمية المنطقة، وقال شطاطو بأن مدن الريف لا تصلح إلا لقضاء العطلة الصيفية، وغير ذلك لا شيء، لا معامل لتشغيل الشباب، لا جامعة ولا مستشفيات، رغم معاناة أهل المنطقة مع أمراض السرطان الناتجة عن القصف الكيماوي الذي تعرضت له إبان المرحلة الاستعمارية.

واستخلص الباحث السوسيولوجي أن استمرار تخبط المنطقة في العديد من المشاكل رغم توفرها على المؤهلات المالية والبشرية اللازمة لتحقيق إقلاع تنموي هو مؤشر واضح على الاختلالات المرتبطة بطبيعة تدبير المركز للتراب الجهوي، وطالب شطاطو بإطلاق سراح كل المعتقلين، وفتح حوار مباشر مع المواطنين، الذين فقدوا ثقتهم بالمنتخبين.

ويرى الدكتور النفسي أحمد الحمداوي، أحد أعضاء لجنة البحث في ملف الغازات السامة بالريف، أنه لا يمكن فهم الحراك إلا من خلال ربطه بالذاكرة الوطنية والتاريخية، مؤكدا من خلال مقاربة نفسية اجتماعية، أن الحراك هو متنفس لضغط وتراكم نفسي متزايد، فيه ما هو نفسي وما هو اجتماعي واقتصادي وتاريخي.

وأضاف الحمداوي أن الحراك “تعبير عن معاناة نفسية، ناتجة عن فقدان الشغل، غياب التأطير الحزبي، غياب الفضاءات، وكذلك فقدان الأمل، نظرا للوعود الكاذبة التي تراكمت منذ الستينات”.

ومع ذلك يرى الحمداوي أن هذه الاحتجاجات ظاهرة صحية، وأنها رقابة شعبية على السياسات الحكومية، مؤكدا على أنها أمل تصحيح مسار لأعطاب سياسية، داعيا إلى قراءة خروج الشارع في ضوء رمزية الشارع بالمفهوم الأنثربولوجي.

وأضاف الحمداوي أن الغضب الشعبي العارم الذي تشهده الحسيمة مهدد اليوم بمقاربة أمنية صرفة من قبل الحكومة، التي قامت في أول مبادرة لها بتجريم هذا الحرك ووصف النشطاء بما لا يوصف من انفصاليين وعملاء للخارج، وذلك من أجل شرعنة التدخل، في حين أن مطالب هذا الحراك هي مطالب شعبية اجتماعية اقتصادية وثقافية”.

ودعا الحمداوي كل من اتهم الريفيين بالانفصال، للاستقالة من مناصبهم، كأول الحلول من أجل تلبية مطالب حراك الريف، وقال أن “الحكومة تأخرت كثيرا في الاستجابة للمطالب المشروعة التي رفعها الحراك”.

وأضاف الحمداوي أن الريف يطالب اليوم بعدالة اجتماعية ويقول بصوت مرتفع بأن المصالحة التي كان من المفروض أن تقع في المغرب لم تتحقق في الريف كما أنها لم تتحقق كذلك في جهات أخرى مع الناس ومع الجهات بكاملها، كما يطالب الحراك أيضا بفتح حوار جاد ومعقول حول مطالبه لكن اليوم المطلب الاول أصبح هو إطلاق سراح المعتقلين.

وأكد أحمد الحمداوي أن الدولة مطالبة بأن تطلق سراح المعتقلين، وتستجيب لمطالب الريف المستعجلة وأن تفتح أوراشا للتنمية الحقيقية، وكذا ورش محاربة الفساد والريع المتفشي بالمنطقة ووضع حد للفساد والمفسدين.

الحسين الملكي، محامي بهيئة الرباط، قال بأن النقاش الذي أثاره رفع العلم الريفي في مظاهرات حراك الريف، وما صاحبه من اتهامات بالانفصال، هو فرصة لعودة النقاش حول تاريخ المغرب، وإعادة تصحيحه.

وقال الملكي أن ظهير تأسيس الراية المغربية بشكلها الحالي يعود إلى سنة 1915، وهي السنة، حسب ملكي، التي كان يحكم فيها الجنرال ليوطي، كمقيم عام للجمهورية الفرنسية، إلى جانب الصدر الأعظم (بمثابة رئيس الحكومة حاليا)، في الوقت الذي كانت مقاومة الاستعمار على أشدها للاستعمارين الإسباني والفرنسي.

ومن بين القضايا التاريخية التي أثارها حراك الريف أيضا، حسب ميلكي، هو إعلان إقليم الحسيمة منطقة عسكرية بموجب ظهير شريف رقم 1.58.381، المؤرخ ب 17 جمادى الأول 1378/ الموافق ل 29 نونبر 1958، أي بعد حوالي شهرين من تزعم محمد سلام أمزيان انتفاضة 58-59، موقع من طرف أحمد بلافريج أحد القيادات المؤسسة والتاريخية لحزب الإتقلال، وهو ذاته والذي سيخلفه في خضم هذه الأحداث عبد الله إبراهيم كرئيس للحكومة قبل إقالتها هي الأخرى بعد حوالي سنتين من تعيينها.

وأضاف أن هذا الظهير جاء عقب الانتفاضة الريفية لسنتي 1958/1959، والتي اندلعت في خضم مجمل ما طبع الحياة السياسية والاقتصادية والتحولات الاجتماعية بالمغرب غداة مرحلة ما بعد الاحتلال الأجنبي، وكذا التطورات والأحداث المأساوية التي بدأت تبرز على السّاحة آنذاك، في أعقاب كل هذا، شكلت منطقة الرّيف مسرحا لكثير من هذه التطورات والأحداث التي كانت تغذيها العديد من الشروط والمعطيات.

وفي ختام الندوة أكد ميمون الشرقي، الباحث في ملف الغازات السامة بالريف، والرئيس الشرفي لمنظمة التجمع العالمي الأمازيغي، أن ما يحدث اليوم في الريف، يبين بالملموس أن مفهوم الجهوية الموسعة الذي تبناه المغرب مجرد شعار، وأن رؤساء الجهات لا يملكون أي سلطة أو صلاحيات داخل الجهة التي يحكمونها.

ولهذا يرى، الشرقي أنه لا بديل عن الحكم الذاتي الذي يمنح الجهات الحق في تسييير شؤونها بنفسها وتدبير مواردها بواسطة هيئات منتخبة بطريقة ديمقراطية والهدف هو الحد من بيروقراطية المركز التي تعتبر أكبر معيقات التنمية على المستوى الوطني إضافة إلى خلق مؤسسات جهوية ذات صلاحيات موسعة والمراد هنا الهياكل الإدارية والقانونية وعلى رأسها المجلس الجهوي الذي ينبغي انتخابه بطريقة ديمقراطية وشفافة.

أما بالنسبة للراية الريفية فلا يرى الشرقي أن ذلك يطرح أي إشكال، مستشهدا في ذلك بالرايات الجهوية المنتشرة على مستوى الجهات بفرنسا وإسبانيا وغيرهما، وهذا لا يتناقض، حسب الشرقي مع وجود العلم الوطني.

وقال الشرقي أن الأمر في حراك الريف يتعلق بمطالب اجماعية واضحة، تعكس حالة الفقر وانتشار أمراض السرطان التي تعرفها المنطقة، وأضاف الشرقي أنه على الدولة بدل أن تقمع حراك الريف وتحتقل نشطاءه، كان يجب عليها أن تتحاور معهم، مؤكدا على أن الحالة التي وصلت إليها الدولة إن كانت تدل على شيء، فإنها تدل على إفلاس المؤسسات المغربية.

أمضال بريس/كمال الوسطاني

شاهد أيضاً

معرض جماعي بمناسبة اليوم الدولي للموسيقى

  تحتضن المكتبة الوطنية بالرباط منذ السابع من يونيو الجاري، معرضا جماعيا للفنانة التشكيلية رشيدة ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي ...